ابن جزار القيرواني
94
كتاب في المعدة وأمراضها ومداواتها
والمعدة والكبد ليستا كذلك ، لأنهما وان كانا إنما يستعملانها في إصلاح غذائه القريبة جدا ، وان منفعة فعلها قد يتجاوزهما ، ويشمل جميع أعضاء البدن كما ذكرنا بدء . وقد اختلف الأوائل في طبائع هذه القوى . فقال أكثر الحكماء أن القوة الجاذبة حارة يابسة وقاسوا ذلك بالنار . وقالوا أن من شأن النار جذب ما يتيح لها من شيء والشمس التي تكسف رطوبات العالم بحرارتها ويبسها وترفعها وترقّيها صعدا . والقوة الماسكة باردة يابسة ، وذلك أن الامساك والحصر عندهم لا يكون إلا بالبرد واليبس . والقوة الهاضمة حارة رطبة باجماع من الفلاسفة ، وذلك لأنهم قالوا : إن الهضم إنما يكون بإحالة الشيء إلى ما هو ألطف منه وأرطب . ومتى ما لم تتم الاستحالة على قدر الحاجة إليها ، فسد الاستمراء وكان الذي يوافق هذه القوة عندهم المزاج الحار الرطب . أما حاجتها إلى الحرارة فمن قبل أن هذه الكيفية أقوى سائر الكيفيات كلها ، في العقل والتقدير . وأما حاجتها إلى الرطوبة فمن قبل أن من كان رطبا كان أسهل ( يزيدا ) عند انحلال الغذاء إلى البخار وغوصه وليس ذلك من شأن اليابس . وهو أيضا أسرع التحاما ، وأسهل تشبيها لما يتصل به . أعني الغذاء بالشيء الذي به يتصل . وذلك أنه من طبعه وجنسه ، وجوهره . إذ كان كل غذاء فهو رطب . ولأن الأجسام إذا كانت سهلة التقسيم ، لقي بعضها بعضا بأجزاء صغار سريع . وعمل بعضها في بعض سريع وليس شيء أسرع ولا أسهل تقسيما من الرطب . ويشدّ هذه القوى والمتمم أفعالها ، والمحكية لقلب غير الغذاء إلى غير الأعضاء : هي القوة الهاضمة . لأن القوة الجاذبة إنما تورد الغذاء إلى المغتذى . والماسكة انما تحبسه مدة ما حتى ينهضم . والدافعة إنما تدفع فضل الغذاء ورديئه التي استغنت عنه الهاضمة ، فيبقيه لأنه لا حاجة بها اليه . والقوة الدافعة باردة رطبة وذلك أن الرطوبة ( ترلو ) وتسلس الجروح والبرودة تجمع ، وتعصر ، وتزرق بالفضول إلى خارج . وقد زعم قوم من الأطباء أن القوة الدافعة باردة يابسة ، وهذا خطأ في النظر والقياس . وذلك أنهم جعلوا قوة الامساك والدفع لمزاج واحد . وهما فعلان متضادان . وهذا واضح الفساد .